ما وراء المشهد: ليبيا.. العودة إلى المربع الأول

69

عبد الستار حتيتة

لم يكن خروج حكومة الإنقاذ الليبية، برئاسة خليفة الغويل، من تحت الأنقاض مفاجأة فى طرابلس. فقد سبقتها ترتيبات وخطط من أجل طرد حكومة التوافق برئاسة فايز السراج من مقارها فى العاصمة. لكن كانت هناك أيضا محرقة ضاع فيها أكثر من أربعة آلاف من الشبان الليبيين، ما بين قتيل وجريح، غالبيتهم من مدينة مصراتة ممن يحاربون داعش فى مدينة سرت.. أما الحكومة الثالثة، وهي برئاسة عبد الله الثني ومقرها فى مدينة البيضاء فى شرق البلاد، فما زالت تراقب الصراع بين الميليشيات التي تدعم الغويل والأخرى التي تدعم السراج أملا فى وجود مخرج ينقذ ليبيا من التفكك إلى دويلات.
فجر ليبيا
يعود اسم الغويل كرئيس لحكومة الإنقاذ إلى ما بعد حرب الميليشيات فى مطار طرابلس الدولي فى عام 2014. كانت قوة هذه الميليشيات تعمل تحت لافتة اسمها “فجر ليبيا”. والسبب الرئيسي لحرب المطار فى ذلك الوقت كان محاولة من ميليشيات طرابلس ومصراتة لإبعاد ميليشيات مدينة الزنتان عن مراكزها فى المطار الدولي. كانت الزنتان تميل إلى موالاة البرلمان المنتخب حديثا وحكومة الثني المنبثقة عنه، والجيش الوطني بقيادة خليفة حفتر المدعوم من البرلمان نفسه.
أفشلت “فجر ليبيا” خطط البرلمان الجديد الذي انتخبه الليبيون فى صيف عام 2014. لقد أسقط الليبيون فى تلك الانتخابات غالبية نواب تيار الإسلام السياسي الذي كان يهيمن على البرلمان السابق (المعروف باسم المؤتمر الوطني العام). لكن المؤتمر الوطني رفض تسليم السلطة للبرلمان الجديد، وعليه بدأ فى الحرب ضده. فقام بطرده وطرد من يوالونه من العاصمة. وأحرق عن طريق تحالف “فجر ليبيا” مطار العاصمة فى حرب خسر فيها الليبيون مليارات الدولارات.
ايأل عن الإخوان
تحالف “فجر ليبيا” بدأ بتعاون بين عدة ميليشيات غالبيتها موالية لتيار الإسلام السياسي (جماعة الإخوان المسلمين) و(الجماعة الليبية المقاتلة، وهي الفرع الليبي لتنظيم القاعدة). ودخل فى هذا الحلف ميليشيات جهوية مثل ميليشيات مصراتة وميليشيات طرابلس. وعلى هذا الأساس، وبعد الانتصار فى معركة المطار، جلس الغويل كرئيس لحكومة الإنقاذ، على كرسي العاصمة، وبدأ فى محاولات لإقناع العالم بأنه هو ومن معه من مؤتمر وطني وميلشيات أصحاب السلطة الحقيقية فى ليبيا.
وفى المقابل رفض البرلمان الجديد الذي اضطر لعقد جلساته فى طبرق الانصياع لما يدبره تيار الإسلام السياسي فى طرابلس، ونعت الميليشيات التي تحمي قيادات هذا التيار بأنها إرهابية، وبدأ يخوض حربا شاملة، عن طريق حفتر، ضد المتطرفين. هنا بدأت الأمم المتحدة تظهر على السطح. وأخذت تدير حوارا بين الشرق والغرب. لكن تبين فيما بعد أن الهدف من هذا الحوار يتلخص فى محاولة إشراك تيار الإسلام السياسي فى الحكم وترسيخ وجود الميليشيات فى البلاد.
ومع ذلك وتحت ضغوط دولية وإقليمية، كان كل من البرلمان والمؤتمر الوطني يشاركان فى الحوار على أمل الوصول إلى صيغة للتفاهم وسط معاناة فى الأوساط العامة من نقض الخدمات وتوقف تصدير النفط وشح الأموال فى المصارف وتأخر المرتبات. وعرف هذا الحوار باسم “حوار الصخيرات” نسبة إلى المدينة المغربية التي كان يعقد فيها. واتفق كل من البرلمان والمؤتمر على تقديم مجموعة من الأسماء لشغل موقع رئيس المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق، لم يكن من بينها اسم السراج.
ولهذا السبب، ولأسباب أخرى، بدأ البرلمان والمؤتمر الوطني يشعران بأن هناك ما يطبخ فى الغرف السرية ضدهما. من اقترح اسم السراج؟ ولماذا لم يتم الاختيار من الأسماء المطروحة؟ وعليه سحب كل من البرلمان والمؤتمر الوطني مندوبيهما من حوار الصخيرات. لكن الأمم المتحدة رأت أن تكمل الحوار بمن يحضر من البرلمان ومن المؤتمر الوطني. وكان غالبية الحضور من جماعة الإخوان المسلمين، سواء من الجماعة الليبية أو من التنظيم الدولي للجماعة.
سياسة التربص
وأعلنت الأمم المتحدة فى نهاية المطاف، أي فى ديسمبر الماضي، عن تشكيل مجلس السراج. واقترن ذلك بتلويح أممي ومن عدة دول غربية، بفرض عقوبات على من يعرقلون الحوار. وكان من بين المتهمين بعرقلة الحوار رئيس البرلمان المستشار عقيلة صالح، ورئيس حكومته، الثني، ورئيس المؤتمر الوطني نوري أبو سهمين، ورئيس حكومته الغويل.
وتحت ضغوط دولية وإقليمية مرة أخرى، وافق البرلمان على مخرجات حوار الصخيرات، مع تحفظه على بعض المواد، وربط الموافقة النهائية عليه بتعديل مواد حاكمة فى وثيقة الاتفاق. ومن جانبه رفض المؤتمر الوطني مخرجات الحوار برمته، وأعلن الغويل أنه لن يسلم مقرات الحكومة للسراج. لكن الإرادة الدولية كانت هي الغالبة. وقاد ممثل الأمين العام للأمم المتحدة إلى ليبيا، مارتان كوبلر، مجلس السراج وهو بدون إطارات. ومنذ ذلك الوقت بدأت حالة من التربص بين أكبر جناحين ألا وهما “الإخوان” و”الجماعة المقاتلة”.
الحصان الرابح
ولهذا السبب.. ومنذ دخوله إلى قاعدة على شاطئ طرابلس فى فرقاطة بحرية محمية من قوات إيطالية، لم يتمكن السراج من تحقيق أي إنجاز يذكر فى الملفات الأمنية والاقتصادية والعسكرية. كان الرجل يبحث عن حرب كبيرة يعلن بها عن نفسه ويجمع على وقعها الليبيين من حوله. لكن من أين يأتي بمثل هذه الحرب؟ هل يحارب حفتر؟ أم يحارب الميليشيات التي تحميه فى العاصمة؟
فى هذه الظروف الصعبة كانت مدينة مصراتة التي تقع على بعد 200 كيلومتر غرب العاصمة، تشعر بالخوف من تنامي نفوذ تنظيم داعش على حدودها مع مدينة سرت، خاصة أن داعش كان يعتزم غزو المدينة فى شهر رمضان الماضي. وتعد مصراتة صاحبة أقوى الميليشيات بسبب استيلائها أثناء الثورة على معمر القذافى على مخازن الجيش الليبي. فهي لديها دبابات ومدرعات وأسلحة ثقيلة، بالإضافة إلى مطار القوات الجوية فى المدينة. كانت مصراتة تحمي السراج فى طرابلس. وكانت مصراتة هي الحصان الذي يمكن أن يراهن عليه السراج نفسه فى شن حرب تقنع الليبيين بجدواه. كان يقود الأمور فى هذا الاتجاه قادة جماعة الإخوان فى المجلس الرئاسي، بينما كانت الجماعة المقاتلة تنظر إلى الأمر بكثير من الشكوك.
البنيان المرصوص
وبدأت الحرب على داعش فى سرت من خلال عملية أطلق عليها “البنيان المرصوص”. وتركت العديد من ميليشيات مصراتة مواقعها فى طرابلس، وتوجهت إلى الجبهة، بداية من شهر مايو الماضي. إلا أن هذا أدى إلى قيام ميليشيات أخرى فى العاصمة بإعادة ترتيب أوضاعها. كانت فى الحقيقة تعمل على قدم وساق للانقلاب على السراج وعلى تيار الإخوان فى المجلس الرئاسي.
وبعد ذلك.. أي خلال شهر سبتمبر الماضي، بدأت الفرصة مواتية للتواصل مع قيادات الميليشيات على جبهة سرت، لأن الجبهة كانت تحدث فيها أمور تؤدي إلى تغليب الدواعش على مقاتلي مصراتة. كما إن الإخوان اكتفوا بمشاهدة الحرب دون مشاركة حقيقية فيها. ولم يفعل السراج شيئا حيال الشكاوي التي رفعت إليه بخصوص الشكوك فى نوايا القوات الأميركية التي تساهم فى شن الغارات على التنظيم المتطرف فى سرت.
تصاعد الغضب
لقد قصفت القوات الأميركية قوات للبنيان المرصوص. وهذا أدى إلى زيادة عدد القتلى فى صفوف هذه الميلشيات إلى أكثر من 500، وما يزيد من 3 آلاف جريح غالبيتهم من مصراتة.
وقال الجانب الأميركي إن تلك الحوادث كانت عن طريق الخطأ. لكن عشرة من ضباط المخابرات العسكرية من مصراتة قدموا “أدلة” للمجلس الرئاسي على إسقاط الطائرات الأميركية لأسلحة إلى دواعش سرت. وقدموا أدلة على نقل عناصر من التنظيم المتطرف إلى سرت عبر زوارق تأتي من البحر تحت حماية الطائرات الأميركية. فما كان من القائمين على عملية البنيان المرصوص إلا سحب عناصر المخابرات العسكرية وإعادتهم إلى مصراتة، بدلا من التحقيق فى القضية.
مثل هذه الوقائع، مع خيام العزاء ومع الحزن على من فقدوا أطرافهم فى الحرب فى سرت، بدأت حدة الغضب فى تزايد ليس فى مصراتة فقط ولكن فى طرابلس وباقي المدن فى الغرب الليبي. أضف إلى ذلك حالة شبه انهيار فى الخدمات. وبدأت أولى ملامح التمرد فى إصدار وزير الداخلية التابع لحكومة السراج لبيان شديد اللهجة عن التدهور الذي أصاب البلاد. وبعد يومين انسحبت قوات الأمن الرئاسي التي كانت تحمي السراج من مواقعها. وفى مساء هذا اليوم كانت الترتيبات التي أشرف عليها وكيل وزارة الدفاع (من الجماعة المقاتلة) فى المؤتمر الوطني وفى حكومة الغويل، قد اكتملت، وعليه جرت السيطرة على المواقع التي كانت تابعة للسراج وحكومته.
لكن عودة الغويل إلى الحكم مرة أخرى تعيد كل المفاوضات ومحاولات التوافق التي كانت تسعى إليها الأمم المتحدة، وفشلت فى تحقيقها، إلى المربع الأول. ولكي تنجح حكومة الغويل والمؤتمر الوطني، لا بد لهما من الدخول فى مفاوضات مباشرة مع البرلمان وحكومة الثني ومع قائد الجيش حفتر. وهذا فى حد ذاته أمر صعب المنال، لأن غالبية القوة التي يستند عليها الغويل ومؤتمره، هي ميليشيات ترفض البرلمان وترفض الثني وترفض حفتر.

التعليقات متوقفه